مقاربة أولية لإشكالية الفرقة الناجية

السيد عمّار ابو رغيف
27 فبراير 2013
476

في (الكوميديا الإلهية)، جحيم، غير إن بوّاب هذا الجحيم الأخروي لم يكن { مالك}، بل كان مهندس هذا الجحيم وبوابه معا شاعراً طليانياً. وكانت الأناشيد الشعرية تشيد هذا الجحيم، وكان الشعر الفخم، وشاعر عصر فردريك الثاني، الذي نافس الإمبراطور في الحيازة على اسم العصر؛ حيث نعته بعض المؤرخين بأنه {عصر دانتي}. لكن لُحمة وسدى هذا الجحيم انبثقا في خيال مسيحي من العصر الوسيط؛ له دين هو الدين الحق،وصراط مستقيم واحد من حاد عنه يهوي في أتون الجحيم المرعبة!

وعبر نفقٍ تحت الأرض يمتد إلى مركزها جال {دانتي} في جحيمه، التي أرعبت التصوير، برياحها العاصفة المزمجرة ومشاعل اللهب التي تلتهم أجساد الآدميين، وقد حرص {دانتي} أن يبقي من أجساد الآدميين المتناثرة الأشلاء وجوههم الكالحة ليرى فيها القطوب والاكتئاب، وبعد لأيٍّ يعبر الخيال نهر {أكرون} ليجد صاحبنا نفسه في المحيط الخارجي للجحيم، فيضع في هذا المحيط من لم يعبّدوا من الصالحين؛ هومر، وهوراس، وأرسطو، وسقراط وافلاطون وابقراط …. وابن سينا وابن رشد ….

لقد أشفق {دانتي} على عصبة عبقرية من الأفذاذ التأريخيين، لكن صراطه المستقيم وفرقته الناجية لم تسمح له ـ رغم إجلاله لهؤلاء الرجال ـ ان يخطو بهم خطوة الى الوراء فيخلصهم  من منادمة الجحيم. وفي كل الأحوال كان حظهم اسعد من البابا نقولاس الثالث، وكبير الأساقفة رجيري، الذين لم يشفع لهم انتماؤه لعنوان الفرقة الناجية {المسيحية}، بل قذف بهم {دانتي} في الدائرة الثامنة من الجحيم، حيث أبشع أشكال التعذيب وأقساها،تنال المتاجرين بالديانة، والمخادعين الذين انحرفوا بالناس عن جادة الصليب الذي حُمل عليه {الرب} ابن العذراء.

هذه الجادة التي تضيق بأهلها كلما تقدم بالأفكار المكث على الأرض، هذه الأرض التي تحوّل بطبيعتها الفكر المسالم المتعايش مع بعضه في عالمه إلى رقع تتدافع وتتقاتل، ليطرد بعضها بعضاً.

وفي غياهب الدائرة الثامنة يزداد المشهد هولاً وقسوةً، ويوغل خيال {دانتي} في الالتحام بأساطير عصره، إذ يضع في هذه المجاهيل اخطر الأعلام {يضع رسول الإسلام وابن عمه  عليهما السلام}، فيشبع حنقاً غير مسوغ، إلا إذا تشبث حتى النهاية بلاهوت الفرقة الناجية، وبإسطورة الكاردينال الروماني، الذي جاء الى المشرق داعية للديانة المسيحية، مقابل عرش البابوية، الذي لم يمنح له، فإنقلب على الكنيسة، وأعلن الدين الجديد!

هي ثقافة العصر الوسيط التي غذتها حروب الصراع على النفوذ منذ القرن الحادي عشر الميلادي، حيث سقط الامبراطور البيزنطي {رومانوس الرابع} أسيراً بيد القائد السلجوقي {ألب ارسلان}. هذه الثقافة التي استدعت العهد القديم واصحاحات العهد الجديد، والتي سيطرت بوضوح على عقل المؤرخ البيزنطي دوكاس، وهو يحبّر مرثية سقوط القسطنطينية على يد السلطان العثماني محمد الاول، اذ لم يتردد {دوكاس} من استخدام سفر ارميا من العهد القديم، وما قاله الرب اله إسرائيل، ولم يألوا جهداً في تكريس وسم المسلمين بالمرتدين والكفرة، الذي اعتدوا على شعب الرب! ربهم الذي له شعب واحد وفرقة واحدة تنجو من جحيمه الموعود!

وكم هو محزن وقاسِ أن تجد هذا المآل نصيب المسيحية العظيمة، التي جاءت روحاً إنسانياً جامعاً للتنوع ودعوة للتعددية والتعايش، وتحزن أيضاً أن يكون وريث فرجيل شاعر عصره {دانتي} اقل حصافة وأضيق أفقاً من عسكري سجل عليه التاريخ مثالب، اعني الاسكندر الكبير، الذي سبقه بثمانية عشر قرناً. لقد صدَّق {دانتي} اساطير عصره فأعتقد إن محمد بن عبد الله العربي الحجازي كان كاردينالاً رومانياً، وقد ضاق {دانتي} ذرعاً بكل من خالف كنيسته فألقاه في جهنم. اما الاسكندر فقد تمرد على استاذه المعلم الاول وكان اوسع أفقاً من أرسطوطاليس؛ اذ اعتبر الأخير غير اليونانيين برابرة من جنس ادنى يحق استئصال شأفتهم أو استرقاقهم، لكن الاسكندر العظيم كان أكثر حصافة وأنبل أفقاً عندما نادى بأن جميع البشر أبناء لرب واحد، وابتهل في اوييس ان يكون المقدونيون والفرس شركاء في الإمبراطورية، وتعيش شعوب الأرض كلها في وئام واتحاد.

ان أماني الاسكندر تتحدث عن عالم ما ينبغي فعله، والإرادة المقدسة من الخلق قررت التنوع في المدارات الذرية للوجود، فكان الناس شعوباً وقبائل متنوعة، وكان عليهم أن يتعارفوا فيتفاهموا، لكنهم تقاتلوا، وكان القتال شائعاً في الحقب المبكرة، وكانت الحرب جزء من الميثولوجيا في الهند، والتاريخ الأسطوري السينغالي يتألف من سجلات للانتصارات التي أحرزها ملوك بوذيون على خصومهم. بل الانكى أن تجد أسفاراً بأكملها من العهد القديم مخصصة لمآثر الملوك العظام، تقص فتوحاتهم الدامية، أما وصايا داود للفرقة الناجية وشعب الله ـ كما دونها العهد القديم ـ فهي مروعة في القسوة على الآخر، تثير غريزة القتل أي إثارة، حيث تأمر بقتل الأطفال والنساء وحرق الأخضر واليابس.

والتاريخ اللاحق للعهد الجديد يمدنا بسجل مسيحي من الحملات الصليبية والحروب الدينية الدامية، فالمذابح التي ارتكبها ملك الفرنجة {شارلمان العظيم} ضد سكان سكسونيا ليعتنقوا الديانة المسيحية، والتنصير الإجباري لليهود والمسلمين في اسبانيا، ومحارق الهرطقة التي لم تستثنِ الأقليات المسيحية لم تكن استثناء، وإنما كانت قواعد، يحبّر شرعيتها يراع الكاردينال والبابا.

ففي صباح اليوم السابع والعشرين من أكتوبر عام 1553 نُفذ حكم الاحراق الصادر من المجلس البروتستانتي بقيادة كالفن بحق المفكر الحر سرفيتوس، فاُوثق إلى سارية بسلاسل من حديد، واُحرق مع كتابه الأخير. ولأنَّ جاك جريه احد كبار المتحررين سخر من كالفن فقد رُبط إلى خازوق وسمرت قدماه فيه وقُطع راسه، في جنيف يوم السادس والعشرين من يوليو عام 1547.

غير إن العنف الديني واحتكار الآله والشرعية المقدسة لم يكن حكرا على المسيحية.ففي المنقلب الآخر من المعمورة، حيث الشرق، منزل إبراهيم ×وموطن أبناءه، وحيث أسلافهم بُناة اعرق الحضارات، وجيرانهم الذين يتصلون بسبب وثيق مع الفن والمعرفة والعرفان والحكمة، وتزخر مللهم بالديانات والقيم تجد إن الاستئثار بالنجاة واحتكار الجنة لم يغب عن هذا الشرق الحالم على طول عهوده، في ازدهاره وانحطاطه، وفي حروبه وجدله الفكري. ولم يغب النص والتشبث به عن تسويغ هذا الاحتكار ، ,ولم يغب أيضا الزهو القومي واحتكار السلالات أو الاديان لبنوة الرب وشعبه الأوحد، بل لعل أسطورة شعب الله المختار ولدت في أرض هذا الشرق، الذي لا زال يأنُّ تحت وقع ضربات الاساطير.

والخوارج هم النموذج الصارخ في تاريخنا الاسلامي لدعاة{ الفرقة الناجية}، إذ لم يكتف هؤلاء بالوعد بالنجاة و{جنات الخلد}لإتباعهم، والوعيد بالجحيم الأبدي لكل ما عداهم مسلمين وغير مسلمين، فكفروا أئمة ديانتهم، وقالوا لمعلمهم ومقتداهم الذي اختلفوا معه {كافر ما أفقهه}، وحولوا الفيافي إلى مسلخ رهيب لكل من ظفروا به من أبناء الملة، ولعلهم كانوا اقل حنقا على أهل الكتاب منهم على أبناء ديانتهم!

أباحوا دماء كل من اختلفوا معه في الرأي، أدخلوه جهنم سلفاً، وعجّلوا رحيله إليها.كان السيف والدم الحكم الأوحد بينهم وبين من خالفهم من أبناء ملتهم، فقد اعتبروا كل المسلمين ما عدا فرقتهم كفاراً بل مشركين أحياناً، واعتبروا دار مخالفيهم من أبناء قومهم دار حربٍ تسفك فيها الدماء ويقتل فيها الأطفال والنساء باسم الله، وبحكم آيات كتابه، كما أرادوها! وأوجبوا على من عزّ دمه أن يهاجر من دار الكفر، ليلتحق بالفرقة الناجية، فينجو، بعد أن يجتاز امتحان السيف واهراق الدم!

كانوا يختبرون صدق من يلتحق بهم من أبناء الملة اختباراً دموياً عسيراً، فيعرضون عليه أسيراً من أسرى المسلمين ويطلبون منه قتله، لأنَّ أسير المسكافرين لا ينتظرون فيه مناً ولا فداءً، إذ لا هدنة ولا صلح مع كفرة قومهم يقتلونهم بلا هوادة، فأما القتل وأما التوبة العقائدية بإرهاب السيف، يطلبون منه قتل الأسير، فإن أفرى أوداجه وسال الدم القاني أرضاً ضُمَّ إلى الجماعة، وإلا أهرقوا دمه وأيقنوا فساد عقيدته وضلاله! لكنهم كانوا يستتيبون أهل الكتاب فيعرضون عليهم دينهم ودعوتهم، مؤجلين فعل السيف إلى حين! فقدر هؤلاء كان رحيماً إذ جعلهم كفاراً خالصين! ولم يكونوا مسكافرين!

والتاريخ اللاحق لأمتنا لا يمكن ـ مهما جانبنا الحياد ـ أن نراه نظيفاً من لوثة الفرقة الناجية والقتل بفتوى المتعطشين للمال والسلطة بغطاء جلالة الرب، وباسمه.

ولا عجب حينما نقرا تاريخ {الإنسان} هذا الكائن المحيِّر، فتاريخه حافل بهذا السلوك الغرائزي، الذي يمتهن النصوص المقدسة، وحينما يعجز في مماطلتها يسخّر لسان الغيب ليجري سلساً، يُملي له ما يريد من النصوص! لقد تقاتل الارثودكس مع الكاثوليك، والكاثوليك مع بعضهم،والبروتستانت والكاثوليك، ولم يغب عن معارك هذه الملل نجم النصوص وتأويلها، لتسويغ أشنع الفعال وأقبح الممارسات.انه التنوع الإنساني، يتقاتل حينما تغيب العقلانية ويخفت صوت الضمير، فتتحكم غرائز الحكرة والاستئثار بالسلطة والمال والجنس، ليهبط ـ وطالما هبط ـ هذا الروح إلى الحضيض، وهو مؤهل ليرقى إلى قاب قوسين أو أدنى.

يقولون: إن الشيخ محمد عبده{وهو رائد من رواد الإصلاح في العصر الحديث} امتلكه السرور حينما وقع نظره على المأثور لدينا من نصوص الفرقة الناجية، حيث وجد أحدها يقرر أن الفرقة الهالكة واحدة، اما الاثنتان وسبعون فرقة فهي ناجية من عذاب الجحيم! لقد اثقلت هذه الإشكالية كاهل رجال الإصلاح في غرب الدنيا وشرقها. وقد واجهها المصلحون، كلٌ حسب موقعه التاريخي وسياقه الثقافي ومنظومته المعرفية. وقد قاربها رجال عصر النهضة الأوربية الحديثة شتى المقاربات، ولعل المقاربة المضنية في مجانبة الدين ووسمه بأنه أفيون الشعوب هي اكثر المقاربات بعداً عن واقع حياة المجتمعات الانسانية، بل أنتجت هذه المقاربة الراديكالية{خلافاً لقانون الصراع بين الاضداد!}النقيض نفسه، ولم يكن نقضه الا فرقة ناجية علمانية، غاية ما في الأمر إنها أشادت أركان جحيمها على الارض، فاستعجلت خصومها، ولم تمهلهم أن ينتظروا يوم الحشر الموعود، فأمطرتهم بوابل ما أنتجه فن الشر البشري في عصر البارود، وهذا ما حصل ببركة التجربة الستالينية والفاشية والنازية، التي هي جميعاً تجليات لمقاربات عصر النهضة للإشكاليات المزمنة في حياة بني البشر، واشكاليتنا من أبرزها.

والأثير الذائع اليوم من مقاربات لإشكالية الفرقة الناجية هي تلك المقاربة التي تتجه نحو التعددية الدينية، انطلاقا من مآلات المذهب التجريبي في المعرفة، ومعطيات التأويلية {الهرمونيتك} المعاصرة.

هذا الهرمونتيك وأسئلته المباركة، التي رغم تحفظ وتشكيك بعضهم في النوايا، ورغم خوف بعض المخلصين على عقائد الناس ورسالة الأديان إزاء معطيات التأولية ومفاهيمها الفلسفية، أجد إنها رغم كل الضجيج أثارت البحث أمام بعض جامعاتنا التي لا تنمو المعرفة بشكل طبيعي فيها، بل لا بد من تحدٍ جاد يردها من ابعد النقاط عن حريمها المقفل.

التعددية الدينية في ضوء التفتت الوجودي ونسبية المعرفة

أنَّ الغرب أنيناً مفجعاً من حروب فرقه الناجية، حروب ضروس، لم تقتصر ضحاياها على الرعية، بل طالت التاج وهزت عروشاً، ولم تتقاتل فيها العساكر في ميادين القتال المعهودة فحسب، بل امتد تبادل الذبح فيها إلى المدنيين، وكان الأساقفة والقساوسة يضرمون نيرانها أحباراً للفتنة، ومفتين يحرضون رعاياهم على قتل الآخر المارق، ان لم يمارسوا القتل بايديهم.

لقد فقد السويديون البروتستانت في ميادين معركة {لوتزن} قائدهم ومبدع انتصاراتهم على الألمان الكاثوليك، فقدوا ملكاً كان مؤمنا بالبروتستانتية بكل ما يعطيه الشباب من زخم، متشدداً في الدفاع عن أهلها ومبادئها، لقد كان {جوستاف} من أولئك الرجال القلائل الذين اختاروا موتهم بطريقتهم، فحينما كان في طليعة المقاتلين يقود جيشه، وقع جريحاً في ارض المعركة، فانقض عليه الكاثوليك الألمان المتعطشون لدماء خصومهم الطائفيين، وكانوا يعمدون قتل قادة العسكر، ويتركون الجنود لأقدارهم، فسألوه من أنت؟ أبى إلا أن يفصح عن حقيقة أمره فأجابهم: أنا جوستاف ملك السويد العظيم.فلاقى الردى مستريحا يردد مجد عظمته، التي عاش معها، فمات كما عاش.

خسارة مثل هؤلاء الرجال والمعاناة الدامية التي عاشها الغرب عبر حرب الثلاثين عاماً، وما سبقها وما لحقها، كانت باعثاً من بواعث عصر الإصلاح الديني {الرنسانس}، فبدأت بذور التعددية الدينية والدعوة للتعايش والتسامح من داخل فضاء الفكر الديني، هذا الفضاء عرضة للتلوث، شأنه شأن كل فضاءات هذه الأرض، التي ما برحت تدفع ضريبة الحياة، أدخنة تثيرها المناجم، فتلوث الفضاء وتصدأ كواه، ومن ثم لا بد من زقًّ ينفخ فيه المجددون ليرفعوا الصدأ، ويطهروا بيئة هذا الفضاء من التلوث الذي يعتريها، هذا هو واقع فضاء الفكر الديني، كما قرأه ووصفه آل علي ×التلوث والتصدأ والتجديد، فعلى رأس كل مائة عام لا بد من تجديد، يحمل رايته الرجال.

أما الأديان فهي ماء انزله الله من السماء، تسيل به الأودية كلٌ بقدرها، ويصبح فكراً يختلط فيه كثير من الأحيان نبات الأرض، يتطلب رعاية وهداية، عقلانية وتجديداً، انه الدين! ابرز ما يدهش في هذا الوجود، هذه الظاهرة المثيرة، العصية على الموت، كم لاقى من الضربات القاتلة منذ آلاف السنيين، منذ أبيقور ومروراً بميكافيلي وفولتير، وانتهاءً بالماركسية واليسار المستميت؟ لكنه سرعان ما يلملم جراحه، فيعود بعنفوان، انه السر الأعظم، الذي يستدعي حصافة وحنكة في التعامل معه، حصافة دعاته، وحنكة رواد الرأي وقادة المجتمعات.

في فضاء الفكر الديني بدأت حركة التجديد والإصلاح فالنهضة الأوربية الحديثة. فالراهب الاوغسطيني {ارازموس} الذي لم يقبل حرمان أفلاطون وسينكا من الخلاص لم يتمكن من الامتناع عن الصلاة على روح القديس سقراط. ووبخ الاساقفة والكرادلة والبابوات على بدءهم للحروب بإسم الدين. وكان للوثر وكالفن وحركة الإصلاح الديني وما تبعها من صراع اليم بين الكاثوليك والبروتستانت الأثر الحميد لتعالي صيحات التسامح مع الآخر.

اما دور الراهب الانجليزي وليم الاوكامي فقد سبق كل إرهاصات النهضة والإصلاح، وكان دوره شاملاً لم يقتصر على اللاهوت، بل امتد ليشمل الحكمة والمعرفة بأسرها، فأسس لبيكون وكَنْت.

استيقظ عمانوئيل كَنْت من سباته الديموغاجي العميق على صيحات {دافيد هيوم} الذي بدأ به عصر المذهب التجريبي الحديث، بل الحداثة كما أؤرخ، لم يَعُد أرسطو بمنطقه ونظريته المعرفية وبميتافيزيقياه مثلاً، بل أصبح هدفاً للنقد والتجريح والتجاوز. لقد حاول كَنْت الذي رمى رصاصة الرحمة على الميتافيزيقيا الأرسطية والعصر الوسيط، حاول التوفيق في المعرفة بين أرسطو وهيوم، بين العقلية والتجريبية، فلم يكتب لمحاولته الصمود أمام مد التجريبية الزاحف، وحاول أيضاً أن يرسي دعائم نظرية عقلية للأخلاق فيؤسس لأخلاق الواجب في فكر الغرب، لكن محاولته هذه لم تصمد أيضاً أمام أخلاقية الغرب الصناعي، التي آلت إلا أن تستمد من مذهب السعادة الأرسطي قوامها، فكانت برجماتية نفعية.

لقد ذهب {دافيد هيوم} بالمذهب التجريبي إلى نهاية، يستحيل معها الإثبات والتأكيد المعرفي، فأصبحت نظرية الصدق الأرسطية هشيماً تذروه الرياح، حاول عصر الحداثة أن يروغ على نتائج نظريات دافيد هيوم المعرفية، أي حاول عبر كَنْت وجون ستيوارت مل والوضعيون عامة وأخيرا مدرسة كارل بوبر أن يعطي للعلم والمعرفة العلمية طابعاً عقلانياً، ويمنح المعرفة طابع الكشف عن الحقيقة أو تكذيب ما يمكن إبطاله من الفروض، لكن مآل التجريبية في عصر ما بعد الحداثة، كما هو الحال لدى فوكو وكوهن، أفضى إلى لونٍ من النسبية المطلقة، إلى ان المعرفة لا تفضي الى الوقوف على الحقيقة سواء أكانت الشيء في ذاته وجوهر الاشياء أم كانت ظواهر عالم الوجود.

بدأ عصر الحداثة ينظر إلى عالم الوجود وميتافيزيقيا الكينونة نظرة المرتاب أمام سحر أفلاطون وسلاسل العلية المتصلة المترابطة، التي صنع أرسطو منها نموذجاً إرشادياً لفهم الفيزيقيا وما بعدها، هذه السلاسل بقيت تأسر عالم الوجود والطبيعة حتى عصر نيوتن، لكن عراها أخذت بالتحلل عبر شك هيوم بالعلية وبواقعية الضرورات التي تحكم الروابط بين الموجودات، نعم كانت فترة نيوتن وعضده عمانوئيل كَنْت محطة استراحة المحارب المرهق للعلاقات الضرورية، التي تحكم عالم الصيرورة في رؤية جمهور حكماء الغرب الحديث، إذ ما برح العلم والفلسفة في الغرب التأكيد على المصادفة كقانون للارتباط بين الاسباب والمسببات، بل أخذت الفلسفة الانجلوسكسونية خاصة والغربية عامة تتجه نحو إلغاء الغائية في فهم علاقات عالم الوجود،ومن ثمَّ تُهيّء الأرضية أمام الألماني نيتشه ليعلن موت الإله.

كونٌ سائب ليس لعراه سبب وثيق يتكأ عليه، وليس لصيرورته هدفٌ تتجه إليه، وعالم تحكمه المصالح والمنافع يُقذف في وسطه الكائن الإنساني قذفاً، وهو مزود بغرائز الملك والجنس، هذه الغرائز التي لا ترحم، نعم الجنس وحده ينطبق عليه قانون العلية في ثقافة الغرب الحديث، فهو الضرورة الملحة لكي يطلق لها العنان فتشبع على هدي {الفرويدية} ومذاهب التحليل النفسي والسلوكي القائمة في النهاية على ميتافيزيقيا التشتت والعالم الذي يسير نحو المجهول.

حاول هيجل أن يعيد للوجود هيبته عبر الروح المطلق، ومن خلال منطقٍ معارضٍ لمنطق البرهان الأرسطي، فأخذ بالديالكتيك وصراع الأضداد أداة ومنهجا لتفسير الصيرورة، وبذلك يجد منطقاً منسجماً مع التحولات والتغييرات التي تدخل في لُحمة وسدى عالم الوجود، ويحفظ للوجود وحدته رغم التنوع في التعيّنات.

لكن هذه المحاولة المتألهة وقعت بيد تلميذ تأخر تلمذه على يد صاحبها، فأنقض عليها، ليصحر بمذهب الإلحاد الفلسفي، ويؤسس عقلياً للمادية الملحدة، كان ذلك {فويرباخ}، الذي ورث كارل ماركس ماديته، واخذ الأخير من هيجل ديالكتيكه وجدله، لينتعش الإلحاد في ثقافة الغرب الحديث عبر ثالوث فويرباخ، ماركس، نيتشه، ويتجلى من خلال أدب اللامعقول عند كامو وكافكا …. فترثه الوجودية المعاصرة على يد زعيمها {هيدجر}.

الوجود لدى هيدجر كينونة الكائن الإنساني اليومية، الوجود ليس وحدات مترابطة ترابطاً ضرورياً حتمياً تنتهي بعلة العلل وواجب الوجود، وليس هو وحدة الروح المطلق الهيجلي، الوجود هو تعينات وكينونة الكائن الإنساني، هذا الكائن جوهره الفهم والوعي، ومن ثمَّ فالوعي والفهم متن الوجود، بل هو جوهر الوجود. وهذا الوجود الفردي يتجلى باللغة واللسان الذي يصبح في نهاية المطاف تعيّنات سيّالة، ودلالات لا نهائية.

وبهذا أرسى هيدجر دعائم انطولوجيا التأويل، وما يدعى الهرمونتيك المعاصر.

لقد قاربت ثلة من المفكرين إشكالية التعددية أو التفرد الديني إنطلاقاً من موقف معرفي يعتمد النسبية المطلقة وموقف وجودي ينطلق من التفتت والتفرد الوجودي، فليست هناك حقيقة واحدة، وليس هناك صراط مستقيم واحد وفرقة ناجية واحدة، الحقيقة متكثرة بتكثر الأديان والمذاهب، فالأديان نصوص ومتون، ووجود يتعين تبعاً لكينونة وموقع المتلقي. ثم يحلو لبعض الباحثين أن يستند إلى نصوص الصوفية والعرفاء فيتخذ من ابيات محي الدين ابن عربي مستنداً :

            لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي        إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

            وقد صار قلبي قابلاً كل صورة          فمرعى لغزلان وبيت لأوثان

            ودير لرهبان وكعبة  طائف                    والواح توارة ومصحف قرآن

            أدين بدين الحب انّى توجهت        ركائبه ارسلت ديني وايماني

ويتكأ على مثنويات جلال الدين الرومي ونصوص سائر العرفاء والقديسين، أو يرجع إلى متون الكتب السماوية ليجد فيها ما يستطيع أن يفيد منه لإثبات إن ليس هناك حق واحد أو فرقة واحدة تنجو من الجحيم، بل الناجون من الجحيم كثار.

ثم إن الحقيقة الدينية ليبست جدولاً منطقياً وليست معادلات رياضية، بل هي نصوص ومتون، ومن ثم ليس لدينا من الحقيقة الدينية سوى فهم هذه النصوص وتأويل هذه المتون وتفسيرها، والفهم والتأويل والتفسير ليس نصاً أزلياً، إنما هو جهد إنساني غير مقدس يصيب من الحقيقة شيئاً، ولا يصيب كبدها ويستولي على جوهرها، بل يتعدد ويتكثر تبعاً لإجتهادات بني البشر المختلفين زماناً ومكاناً، المتنوعين ثقافات ومناخات. فالمعرفة الإنسانية في نهاية المطاف نسبية لا تستطيع أن تقف على حقائق الأشياء ومضامين الوجود.

وهنا أضع الملاحظات التالية:

1ـ النقد المؤسس لنظرية إقامة تفسير التعددية على اُسس معرفية ووجودية يتطلب بحثاً مستأنفاً لفحص هذه الأسس. وهنا اقتصر على الإشارة إلى إن النسبية المطلقة معرفياً تفضي إلى استحالة المعرفة، وان الذهاب إلى التعددية الدينية على أساس إن ليس هناك حق خالص وليس هناك دين يمتلك الحقيقة يتناقض مع واقع المتعدديين، الذين يتمسك كلٌ منهم بدينه على انه الدين الحق.

إن الانطلاق من قاعدة نسبية الحقيقة مطلقاً ونسبية المعرفة عامة يفضي إلى {بارادوكس}،ونرجع حينئذٍ إلى نقائض المعرفة وإشكالية الجذر الاصم لتشمل المعرفة الانسانية عامة. فنسبية الحقيقة حقيقة ايضا فاذا شملتهاالقاعدة سوف نقع في تناقض {بارادوكس}، لأننا إذا سلمنا بنسبيتها سمحنا لنقيضها بالحياة، وهو وجود معرفة مطلقة، وإذا استثنينا القاعدة من شمول نفسها قضينا على القاعدة وألغينا عموميتها.

2ـ إن مشروع التعددية الدينية{Religious pluralism}المجافي لنظرية الحق الأكمل أو الحق الواحد لا يتعدى أن يكون حقا أكمل وديناً أو طائفة تضاف إلى مجمل الأديان والطوائف المتعددة على الأرض.

وهذا الاتجاه ـ من زاوية عملية ـ لا يحل مشكلة التدافع والتناحر جراء التنوع الديني واختلاف المذاهب والأديان. فالعرفاء والمتصوفة القائلون بدين الحب، والذين أضحت قلوبهم معبد أوثان وكعبة طائف وديراً لرهبان وألواح توراة ومصحف قرآن، هؤلاء لم تقبلهم الأرثودكسية الدينية، بل حتى المتسامحين مع سائر الديانات من أبناء الديانة الواحدة، بل أضحوا فرقة محاصرة في كثير من الأحيان، ودخلوا في صراعات سُفكت فيها  الدماء بدعوى انحرافهم العقائدي وخروجهم عن الملة.

3ـ لقد أقاموا التعددية الدينية كمذهبٍ واتجاه على أساس اخذ التعددية مصادرة واقعية، أي الإذعان بواقع التعددية الدينية في حياة البشر، ثم ذهبوا إلى تفسير هذا الواقع، على أساس انه واقع حتمي يُصار إليه بحكم نسبية المعرفة وثراء الحقيقة وتنوع دلالات النصوص.

والسؤال هنا: هل التفسير البلورسمي الواقعي نستنتج منه توصيات بضرورة التعايش وقبول الآخر، لأن ليس لأحد حق مطلق، وليس لأي عقيدة دينية امتياز، ومن ثمَّ فعلى المتدينين في سائر الديانات أن يتعايشوا مع بعض ولا ينفي أي منهم امتلاك الأخر لنصيب من الحقيقة الدينية؛ أم يبقى هذا التفسير مجرد عزاء يأنس به السالكون الأحرار في خياراتهم الدينية؟

إذا اخترنا الفرض الثاني فأي أثرٍ لدعوة التعددية إذا انحصرت عزاءً تسلو بها نخب من المثقفين؟ أما إذا اخترنا الفرض الأول فهذا يعني تحويل البلورسم من تفسير للواقع وحكاية عما هو قائم إلى حكم بما ينبغي أن يكون، أي أن التعدديين انتقلوا من التفسير إلى التوصية، ومن الوصف والتعليل إلى الحكم والتوجيه. وهذا لونٌ من ألوان الانتقال غير المقبول منطقياً. فالواقع وما يتضمنه من قوانين لا تستنتج منه أحكام السلوك وقواعد التشريع، ولم تستنتج.

إن نظرةً لواقع حياة البشر في القرن الميلادي المنصرم تؤكد إن الإنسانية عانت من اُحادية السلوك الإنساني معاناة مريعة، ولم تتحول التعددية القائمة في واقع حياة البشر إلى تشريع يضبط سلوك هذا الكائن الغريب، رغم كل إجراءات العلمنة، ونداءات حقوق الإنسان. فقد شهد القرن العشرون أبشع المذابح، فإحصائيات{رامل}واتجاهات يوخن هبلر تؤكد إن ضحايا الحروب والقتل بأمر الدولة خلافا لمواثيق شرعة حقوق الإنسان شارف على{360} مليون ادمي في قرن المدنية الحديثة، وعلة العلل في كل هذا العنف الذي مارسه البشر هي عدم تحمل الآخر وعدم قبول التنوع والتعدد.

إن التعددية كواقع قائم في حياة الناس لم تتح لهؤلاء الناس أن يمارسوا التعددية بحدها الأدنى. فالتعددية الليبرالية التي تبشر بها نُخب ما بعد الحداثة حد أعلى، ذلك أن يُذعن بنو البشر بأن الآخر الإنساني له حق فيما يختار، وهو على نصيب من الحقيقة فيما يعتقد. لكن المستوى المطلوب للتعايش الإنساني لا يستدعي الإذعان بتنوع الحقائق وتعدد الصدق، وان الحقيقة الدينية والمعرفية تتعدد بتعدد أنفاس العباد، بل يستدعي السماح للآخر الإنساني أن يختار ما يختار من عقيدة، والتعايش معه وقبوله على ما هو عليه من خيارات إنسانية. هذه الخيارات المتنوعة في واقع حياة البشر لم تمنع استخدام الحرب والقمع والإرهاب لمنع الإنسان الآخر والشعوب الأخرى من ممارسة خياراتها.

4ـ Religious piuralism {رليگيوز پلوراليسم} كتفسير للتعددية ينتهي إلى إن الحقيقة الدينية نسبية، وان البشر في سعيهم لمواجهة الأمر المتعالي سواء في الإفادة وإمكانية الاهتداء إلى نور الحق بأي دينٍ دانوا وبأي شرعة تمسكوا. هذا التحليل الذي تطرحه عقول من النخبة يتطلب لكي تفيد منه الناس وتستضيء بإستنارته يتوقف على مصادرة أساسية وهي:{أن العقل الإنساني بل المزاج العام لبني البشر مهيأ لقبول الآخر على أساس الإذعان بأن له نصيباً من الحقيقة وأن الحقيقة الدينية ليست واحدة, بل تتعدد بتعدد الديانات وتتنوع تبعا لتنوع خيارات الآدميين}.

دون إثبات هذه المصادرة تصبح دعوى التعددية الدينية أي{ رليگيوز پلوراليسم } أمراً غير عملي, تشبه تعميم التجربة الصوفية على بني البشر, وأن يصبح الناس جميعاً عرفاء في النظر سالكين في العمل, بل تشبه الدعوة الى لغة عالمية واحدة, حيث لا يمتثل إليها اللسان البشري, ولم يجدها احد من الحصفاء دعوة عملية ممكنة. فهذه الأماني قد تكون نبيلة طموحاً في نفسها, إلا إن تجسيدها على ارض الواقع دونه خرط القتاد.

فحص هذه المصادرة وتمحيصها بشكل علمي مستوفٍ أمر تتحمل مسؤوليته علوم البشر المعاصرة, بدءً من التأريخ وعلوم النفس والاجتماع وفلسفة هذه المعارف. ولكن إذا لذنا بالتاريخ وتاريخ العقل والسلوك الإنساني فلا أعتقد أن هذا التأريخ سيساعدنا على التفاؤل بأن العقل الإنساني في يقينياته وإعتقاداته وجزمه الديني مهيأ بعامة لقبول التضاد والتناقض. بل رافق الإعتقادات الدينية وغيرها رفيق خذول لنزعة التفاؤل بالتعايش, إلا وهو الجزم والتعصب.

نعم التناقض والتضاد قد يملأ حياة الصوفية والعرفاء, بل تزدان حياة هؤلاء زهواً بهذا التناقض اللذيذ في ذائقة أصحاب السلوك. لكن هؤلاء رغم جلال عالم الأفذاذ, ورفعة أرواح السالكين, سرعان ما يتحولون كفرقة إلى إشكالية إضافية ـ في كل الديانات ـ تعقد عملية التعدد وقبول الآخر.أضحوا مشكلة أمام الكنيسة الكاثوليكية, واختارت لهم الحنبلية أعواد المشانق في دمشق وبغداد,وأضحوا هدفاً للقتل غيلة, وصيداً لزاهقي الأرواح الليليين في بقاع من المعمورة. أنها التجربة الفردية التي لا يقبل جلالها إلا التفرد, وحينما تتحول إلى فرقة وإتجاه كسائر الإتجاهات والفرق تفقد روعتها وجلالها, بل تتناقض مع ذاتها, وتدخل في ما تأسست للإباء والترفع عنه.

5ـ لكي نضع المسألة في صورتها السليمة، علينا إلقاء نظرة عاجلة على السياق التأريخي ومآلات الراهن لأوضح ليبرالية قائمة ـ لا أقل من وجهة نظر الليبراليين أنفسهم ـ أعني(أمريكا) هذه القارة التي ظهرت صدفة إلى الوجود وفاجئت التاريخ الإنساني بنموها المفاجئ، كان قدرها أن تكون أرضاً يأوي إليها الناس على اختلاف مذاهبهم، فالكاثوليك على تنوعاتهم والبروتستانت على مختلف مذاهبهم والأرثودوكس واليهود على اختلاف اجتهاداتهم والمسلمون بمذاهبهم، ومسيحيوا الشرق الذين ـ رغم مسيحيتهم ـ طبع موطنهم الأصلي ديانتهم بطابعه فتميزوا عن أبناء نحلتهم. أضف إليهم أديان الشرق الأقصى من بوذية ومجوسية… والتدين التلفيقي، واتجاهات التدين والتأله الحر…

كل هذه الملل والنحل تسكن معمورةً، قُدر لها أن يكون دستورها ليبرالياً حتى النخاع، يسمح للاّدين بكل أشكاله أن تينع ثماره في بستان التنوع المذهل الذي يعيشه الأمريكان منذ عقود.

نطرح الاستفهام: هل التعايش القائم في أميركا زواج كاثوليكي لا تنفصم عراه؟ طبعاً لا، فهذا التعايش كثيراً ما هددته اطروحة الفرقة الناجية، وكثيراً ما أثارت هذه الأطروحة الإشكالية هواجس الشك والريبة في نفوس اليهود أزاء حلفائهم الأنجيليين المحافظين، وفي نفوس هؤلاء إزاء اليهود، وأثارت وتثير تدافعاً قد لا ينضبط بين المسلمين وغيرهم بعد وقبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، التي هي بدورها نتاج أطروحة الفرقة الناجية.

إنَّ الدستور الليبرالي التعددي الأمريكي، وحركة التنوير المفتوحة على مصراعيها لم ولن تحوَّل نسبية الحقيقة ولا نهائية الدلالة، إلى حقيقة قائمة في نفوس الجماعات الدينية. كما أن واقع التعددية والتعايش الحذر في المجتمعات الليبرالية لم يستطع تجاوز إشكالية الفرقة الناجية. هذه الإشكالية التي تستمد مسوغاتها في كثير من الاحوال من متن النص الديني، وفي أحوال أخرى من فقدان <العدالة> في حروب الأمم وسلمها.

إذن! الأخلاق هي الفضاء النموذجي لمقاربة إشكالية الفرقة الناجية، ينبغي طرح الأفق العملي من خلال هذا الفضاء، لكي تتلمسه قراءة النص الديني بملابساته الكلامية واللاهوتية والفقهية. وهذا لا يعني إنكار دور البحث المعرفي والنقد التنويري للمذاهب الدينية. لكنني أصرُّ على أنَّ الأثر العملي لهذا الدور لا يمكن التوفر عليه دون التمسك بجد بمرجعية أخلاقية واضحة، وإلا فسوف يهوي هذا النقد المعرفي المقدس بذاته في مستنقع إشكالية الفرقة الناجية!

إنَّ فقدان< التواضع> المعرفي، الذي تمنى به اتجاهات الحل لإزمات التدافع والتزمت، يحوّل هذه الاتجاهات إلى النقيض، فتضحى نفسها اتجاهات متدافعة، تتحصن في خنادق القتال الغرائزي، وفكرها براءٌ مما تؤول إليه. حينما تتحالف الليبرالية والتعددية مع غرور القوى المؤدِّبة، التي تحمل رسالة القيمومة والإصلاح، فنحن والكارثة! وحينما يتراءى للعرفاء والسالكين أنهم القيمة العليا في حياة البشر الأدنين، فنحن والدنو من الكارثة!

إنَّ التعددية مطلب وطموح إنساني، وما لم يتحول الإيمان بحق الآخر في الاختيار إلى معتقد أخلاقي< بغض النظر عن طبيعة التحليل المعرفي لأسباب التعددية> فسوف يتعذر الوصول إلى نتائج إيجابية. لا على مستوى النقد الخارجي للفكر الديني، ولا على مستوى البحث الكلامي واللاهوتي من داخل الأديان. إذ يتعذر على النقد الخارجي للدين النأي بنفسه من الوقوع في وحل الفرقة الناجية، إذ طالما تحولت اتجاهات النقد المعرفي فضلاً عن السياسي إلى فرقة ناجية، تضاف إلى القائمة أو إلى عدو أيديولوجي للأديان، يُفسد على التعددية فضائها وفرص انتعاشها. أضف إلى أن الدرس الفقهي واللاهوتي والكلامي ما لم يفترض التعددية ضرورة إنسانية أخلاقية يتعذر عليه أن يبصر الإيجابي في ظل التدافع والصراع بين الأديان، هذا الصراع الذي تصطنعه عقول البشر ومصالح النخب وغرائز العامة.

6_ للدكتور نصر حامد أبو زيد تعليق على تأويل{يوخن هبلر} للحروب الدينية, حيث ذهب الأخير إلى نفي وجود أي علاقة بنيوية بين العنف والدين, وإنما يصبح الدين نوعاً من الإيديولوجيا التبريرية التي تسوغ العنف, فالدين بريء, وإنما تكمن المشكلة في قابليته للتأويل في سياق وظيفي إجتماعي سياسي بعينه, بينا ذهب الدكتور نصر حامد أبو زيد إلى إن الإيديولوجيا قد تؤسس للعنف, وان في الأديان الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام دوجمات تستوجب التحليل النقدي الجاد للكشف عن انصهار التاريخي في النص المقدس.

من المؤكد أن أبا زيد سيمارس نقده لما دعاه بالدوجمات في الأديان الثلاثة إنطلاقاً من فروضه ورؤاه القبلية التي تعتمد تفسيراً خلافياً للتعددية, وهنا المشكلة مع الدكتور أبي زيد. وما سوى ذلك فإعتقادنا أن الحفر في النصوص الدينية وإعادة قراءتها وورود البحث في التعددية من داخل الفكر الديني, فرض على الفكر المستنير, الذي يتحمل مسؤوليته التأريخية.

أن إعادة قراءة إشكالية الفرقة الناجية من داخل الفكر الديني واجب تأريخي, شرط أن تتم هذه القراءة عبر فضاء نموذجي, يعتمد جهد الإمكان الفروض المقبولة عامة, ويستخدم آلية الحجاج الكلامي بروح عصره.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...